تعريف الكوتشنغ السردي
يعرِّف مؤسس المجال "ديفيد دريك" في كتابه "الكوتشينغ السردي" (Narrative Coaching) مفهوم الكوتشينغ السردي بأنّه نهج واعٍ، وتجريبي، وشمولي يساعد الأشخاص على الوصول إلى جوهر قصصهم عن أنفسهم، وعن الآخرين، وعن الحياة نفسها، بهدف خلق إمكانات جديدة ونتائج جديدة.
فعالية القصص في بناء الواقع
يستخدم الفرد القصص لسرد أحداث الماضي وتقييمها، ويعترف مزيدٌ من الباحثين بدور الهوية السردية في تطوير الذات، وفهم التجارب الحياتية وتقبُّلها ولاسيما المؤلمة منها، بالإضافة إلى تحقيق النمو الشخصي والتطور المهني وتغيير المنظور.
يؤكد المؤلفون "دان بي. مكادامز" (Dan P. McAdams)، و"روتلين جوسلسون" (Ruthellen Josselson)، و"أميا ليبليش" (Amia Lieblich) في كتاب "الهوية والقصة" (Identity and story) أنَّ الإنسان لا يعيش بهوية واحدة ثابتة طوال عمره، بل بهوية سردية متغيرة تدمج ذكريات الماضي مع تقييمات الحاضر وتوقعات المستقبل في قصة متكاملة تمنح الحياة معنى واتجاه. تبرز هنا أهمية العلاج السردي الذي أثبت فعاليته في التغلب على الصدمات وتحسين جودة الحياة.
تقتضي مهمة الكوتش مساعدة العميل في تحسين القصص التي يرويها عن نفسه، وحياته، وعمله. وبحسب تعريف "ديفيد دريك"؛ يهدف الكوتشينغ السردي إلى تمكين الفرد من تغيير القصص التي يرويها عن نفسه لكي يحصل على خيارات ونتائج جديدة. كما ويتكون من 4 مراحل: "التموضع" (Situate)، و"الاستكشاف" (Search)، و"التحول" (Shift)، و"الاستدامة" (Sustain).
دور الكوتشينغ السردي في تغيير المنظور
يهدف الكوتشينغ السردي إلى فصل العميل عن المشكلة التي يعاني منها لكي يدرك قدرته على تغييرها وتحسين وضعه. يرصد الكوتش أنماط التفكير، وردود الفعل العاطفية، والسلوكات، والمعتقدات المقيِّدة التي تظهر أثناء سرد القصة، ثم يعيد صياغتها بأسلوب يوضح للعميل مواطن القوة والضعف فيها، ويساعده في تغيير منظوره.
يدعوه بعد ذلك لصياغة قصة مختلفة تمكِّنه من إحراز التقدم في حياته، دون أن يضغط عليه أو يقترح حلول جاهزة. تغير القصة الجديدة موقف الفرد من العالم وطريقة تعاطيه وتعامله مع ما يحدث معه.

منهجيات الكوتشينغ السردي
يعتمد الكوتش السردي على عملية منظمة ومتدرجة لمساعدة العميل على تفكيك الروايات القديمة وبناء أخرى جديدة. تركز هذه المنهجيات على الانتقال بالعميل من مرحلة الوعي بقصته الحالية المقيدة إلى مرحلة صياغة وسرد قصة بديلة تمكينية، وذلك عبر خطوتين أساسيتين:
1. تحديد السرديات المهيمنة
تبدأ العملية بتحديد الافتراضات والمعتقدات المقيِّدة التي تشكل القصة الحالية وتؤثر في السلوكات والقرارات، وهي غالباً ما تشمل تصوُّرات مغلوطة عن هوية الفرد. يجري خلال هذه المرحلة الاستعلام عن قِيَم العميل، وأهدافه، وملاحظة الأساليب اللغوية والمفردات التي يستخدمها لأنها تُبرِز نظرته تجاه نفسه.
تجدر الإشارة إلى أهمية توفير الأمان والاطمئنان الذي يحتاج إليه العميل للإفصاح عن مشاعره وأفكاره واستنتاج الرواية التي تهيمن على خياراته وتوجهاته في الحياة. غالباً ما تكون هذه المعتقدات المقيِّدة حقائق مطلقة لا تقبل الجدل بالنسبة للعميل، ويُذكَر من أمثلتها:
- "أنا أفتقر للذكاء اللازم لتحقيق النجاح".
- "أنا مرفوض دائماً".
- "لا تسير الظروف في صالحي أبداً".
2. استكشاف السرديات البديلة
يجري خلال هذه المرحلة استنتاج سرديات بديلة تخدم أهداف العميل، وذلك باستخدام تقنيات متنوعة مثل تدوين اليوميات، والتصوُّر الذهني، و"شجرة الحياة" (Tree of life).
يشرح بحث "شجرة الحياة: نهج مجتمعي للتمكين والشفاء" (Tree of life: A community approach to empowerment and healing) عن تقنية شجرة الحياة المستخدمة في العلاج السردي. تمثّل الشجرة حياة الفرد، وفيها ترمز الجذور إلى الهوية، والأغصان إلى الأحلام، والأهداف، والمستقبل، والأوراق إلى الأشخاص المؤثرين سلباً وإيجاباً، والثمار إلى الإنجازات، والعواصف إلى التحديات والصعوبات.
تطبيقات الكوتشينغ السردي
يتجاوز الكوتشينغ السردي حدود التنظير ليقدم حلولاً عملية في مختلف جوانب الحياة الشخصية والمهنية. يُوظف نهج التعلم القائم على القصص بفعالية لمساعدة الأفراد على إعادة تفسير تجاربهم، وتحويل العقبات إلى فرص للتعلم، ورسم مسار مستقبلي يتسق مع طموحاتهم الحقيقية، من خلال:
1. التعامل مع التحديات والانتكاسات
تؤدي التحديات والانتكاسات إلى تشكُّل سرديات سلبية مهيمنة مثل "أنا فاشل"، أو "أنا لا أستحق النجاح"، وتقتضي مهمة الكوتش مساعدة العميل في تحليل القصة التي نتجت عن التجربة القاسية بوعي دون إصدار أحكام، وتسليط الضوء على لحظات القوة والصمود بهدف تغيير نبرة السردية وصياغتها.
أُجرِيت دراسة في "جامعة جنوب كاليفورنيا" (University of Southern California) في عام 2021 عن تأثير تغيير صياغة سردية التجارب الصادمة، وبينت النتائج أنَّ العلاج السردي يعزز الثقة بالنفس، ويحول المعتقدات السلبية مثل "أنا فاشل" إلى أفكار تحفيزية مثل "أنا أتعلم من التحديات".

2. بناء رؤية مستقبلية ملهمة من خلال الكوتشينغ السردي
لا يقتصر الكوتشينغ السردي على سرد تجارب الماضي أو تقييم الحاضر، بل يهدف إلى بناء رؤية مستقبلية ملهمة تتوافق مع الهوية والقِيَم الشخصية. يرى "دريك" أنَّ أفضل طريقة لتحقيق الأهداف المرجوة لا تتطلب وضع خطة بل سرد قصص ملهمة عن الرؤية المستقبلية.
تُبنى الرؤية السردية بطرح بعض الأسئلة، مثل:
- كيف تتصور نفسك بعد 5 سنوات؟
- ما العادات والممارسات التي ستقوم بها يومياً؟
- ما القِيَم التي ستلتزم بها؟
تمكِّن الرؤية السردية الملهمة العميل من الانتقال من "رد الفعل" إلى "المبادرة" والمشاركة في كتابة واقعه.
في الختام
تشكّل القصص التي نرويها عن أنفسنا حاضرنا وتوجه قراراتنا المستقبلية، وقد وضح المقال كيف يساعد الكوتشينغ في تحديد السرديات المهيمنة واستبدالها بروايات ملهمة تحول التحديات إلى الفرص والانتكاسات إلى مصادر قوة. يساعد العلاج السردي في تجاوز الصدمات وتغيير المنظور وإعادة صياغة القصة التي يرويها الإنسان عن نفسه.
تحمَّل مسؤولية حياتك واكتب قصتك بنفسك، وأخبرنا ضمن التعليقات عن رأيك بالكوتشينغ السردي وكيف يمكنك أن تستفيد منه في تحقيق التقدم الشخصي والمهني.
أضف تعليقاً