Top

مدة القراءة: 14 دقيقة

الأساليب التربويَّة الصحيحة للمُعلِّم والمُتعلِّم

مشاركة 
17 يناير 2013

التربية هي الأسلوب الصحيح في تقويم الفرد، ولقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تربية الصحابة والأجيال المسلمة فتمم الأخلاق، وزكى النفوس وهذب الطباع، وهي نعم عظيمة تستحق ذكر الله عليها وشكره. قال تعالى: "كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون" صدق الله العظيم، "سورة البقرة". وحرصه في تربيتهم كان واضحا في أقواله وأفعاله وإقراره صلى الله عليه وسلم، وهنا سنتطرَّق إلى موضوع من أساليب الرسول الكريم في التربية وهو:

 


الأساليب التربويَّة المثلي للمُعلِّم والمُتعلِّم

ومضة: إن العمليَّة التعليميَّة مقترنة بأربعة عناصر وهي: المُعلِّم والمُتعلِّم والمادة التعليميَّة، وطريقة التعليم. فالمُعلِّم والمُتعلِّم عنصران يتدرجان نحو سلوكيات تربويَّة يجب أن يراعي كل منهما الضوابط التربويَّة، حتى تكون ثمرة العلم ثمرة طيبة، ليستطيع المُتعلِّم أن يوظفها في الميدان العملي. فكيف كان رسولنا الكريم يربي ويعلم أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

 

في الحديث الشريف: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُري عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى جانب النبي(ص) فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.

قال: صدقت.

فعجبنا له يسأل ويصدقه

قال: فأخبرني عن الإيمان؟

قال صلى الله عليه وسلم: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله.

قال: صدقت.

قال: فأخبرني عن الإحسان؟

قال صلى الله عليه وسلم: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

قال: فأخبرني عن الساعة؟

قال صلى الله عليه وسلم: ما المسؤول بها بأعلم من السائل.

ثم انطلق، فلبث ملياً، ثم قال عليه الصلاة والسلام: يا عمر أتدري من السائل؟

قلت: الله ورسوله أعلم.

قال صلى الله عليه وسلم: إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

نستخرج من هذا الحديث فوائد تربويَّة لكل من المُعلِّم والمُتعلِّم

 

أولاً: المُعلِّم (الرسول صلى الله عليه وسلم)

  1. حسن اختيار الزمان: اختار الرسول الكريم رابعة النهار، وهذا الوقت من الأوقات المناسبة لتلقي العلم.
  1. حسن اختيار المكان المناسب لالتقاء المُتعلِّمين: اختار الرسول صلى الله عليه وسلم مكانا مناسبا لسير العمليَّة التربويَّة التعليميَّة وهو المسجد.
  1. الاهتمام البالغ بالمُتعلِّمين الجدد: فعندما قدم جبريل (المُتعلِّم) إلى المُعلِّم (الرسول صلى الله عليه وسلم) لم يكن يعرفه أحد من الصحابة رضي الله عنهم، فكأن الرسول أراد أن يعلم أمته بأن المُتعلِّم لا يشترط لينال العلم أن يكون معروفا لدى باقي المُتعلِّمين، فقد جلس المُتعلِّم الجديد بقرب الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يعنفه عليه الصلاة والسلام، وطرح أسئلته فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة كافيه شافية، كل ذلك يدفعنا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو معلم البشريَّة قد ساوى في اهتمامه بين جميع المُتعلِّمين سواء كانوا قدامى أو جدداً. وهذه الصورة التربويَّة العظيمة تبني في نفوس المُتعلِّمين الجدد، الجد والاجتهاد والمثابرة، كما أنها صورة تربويَّة عظيمة في إيجاد التجانس الفكري بين المُعلِّم والمُتعلِّم.
  1. حسن إنصات المُعلِّم لسؤال المُتعلِّم: استمع الرسول صلى الله عليه وسلم لسؤال المُتعلِّم (جبريل عليه السلام) بإنصات حتى فرغ من السؤال ثم أجابه عليه الصلاة والسلام، وبعد الإجابة طرح المُتعلِّم سؤالا آخر، فأنصت إليه المُعلِّم (الرسول عليه الصلاة والسلام) ثم أجابه... وهكذا...حسن إنصات المُعلِّم للمتعلّم يثمر الجرأة الأدبيَّة وتوارد الأفكار وعدم الارتباك لدى المُتعلِّم، فيستطيع أن يرتب أفكاره ترتيبا صحيحا ويستطيع أن يواصل العمليَّة التعليميَّة دون فزع أو رهبة، وهذا ما لاحظناه من حسن إنصات الرسول صلى الله عليه وسلم, فلعل ذلك كان دافعا في نفس المُتعلِّم (جبريل عليه السلام) إلى أن يستمر في طرح الأسئلة.
  1. السماح للمُتعلِّم أن يفضي عما في نفسه: لقد ترك لنا الرسول عليه الصلاة والسلام أثرا تربويا عظيما، فقد ترك الفرصة للمُتعلِّم (جبريل) أن يفضي عما في نفسه من أسئلة، فلم يعنفه عليه الصلاة والسلام لكثرة أسئلته، ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم (المُعلِّم) قد وجد الأسئلة مهمة فترك الفرصة للمواصلة، وأسئلة جبريل عليه السلام تختلف عن سؤال المسلم عندما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال: أفي كل عام يا رسول الله فسكت عليه الصلاة والسلام فأعاد السؤال مرة ثانية ثم قال صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال علية الصلاة والسلام: (إنما هلك من قبلكم لكثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم) والملاحظة على هذا السؤال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطى المعلومة كاملة (فرض الله عليكم الحج فحجوا) ولو كانت فرضيتها في كل عام لأضاف في كل عام قبل سؤال السائل.

وفي وقتنا الحاضر نرى بعض المُتعلِّمين يفقدون الضوابط في الأسئلة فيضيعون الوقت والجهد في الأسئلة العقيمة الفائدة، وأمّا الأسئلة ذات الفائدة فإن المُعلِّم التربوي يستعد للاستزادة منها لفائدتها العظيمة كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عند إجابته عن أسئلة جبريل.

 

ثانياً: المُتعلِّم (جبريل عليه السلام)

لقد كان (المُتعلِّم) جبريل عليه السلام الصورة العظيمة المتجسدة لطالب العلم، فلننظر إلى السلوكيات التي كان يتمتع بها المُتعلِّم:

  1. الاستعداد النفسي والفعلي لتلقي العلم: كان استعداد المُتعلِّم (جبريل) استعدادا يدل على الصورة الحقيقيَّة التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم وهي:
    • لبس الثياب البيضاء: فاللون الأبيض لون مرغوب لدي الجميع وكأنه يدل على الصفاء والنور كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على لبس البياض من الملابس، واللون الأبيض يعكس على الناظر إليه الهدوء والطمأنينة النفسيَّة
    • اختيار المُتعلِّم الوقت المناسب للتعلُّم: فقد جاء المُتعلِّم (جبريل) في رابعة النهار، وهذا الوقت لم يكن وقت قيلولة أو طعام، فلا يكون فكره مشغولا بالطعام ولا جسده محتاجا إلى الراحة، وهذا يدل على توافر الاستعداد الذهني والعقلي والجسدي لدى المُتعلِّم.
  1. تحري الوقت المناسب للالتقاء بالمُعلِّم: يجب على المُتعلِّم أن يراعي المُعلِّم في وقته وطعامه ومنامه، فنرى المُتعلِّم (جبريل) لم يأت المُعلِّم (الرسول) في وقت الظهيرة وقت قيلولته، ولم يأته وقت طعامه أو عندما يكون بين أهله، لذا يجب أن نستفيد من هذا الأمر في الاتصال بالمُعلِّم أو بأهل العلم والفتوى، فهم بشر يحتاجون إلى الراحة، فاختيار الوقت المناسب للمُتعلِّم حتى يلتقي المُعلِّم صورة تربويَّة تساهم في استعداد عطاء المُعلِّم للمتعلم.
  1. اقتراب المُتعلِّم من المُعلِّم: جاء في الحديث أن (جبريل) المُتعلِّم قد حرص على الجلوس بقرب (المُعلِّم) الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على مصداقيَّة المُتعلِّم لتلقي العلم والحرص على الاقتراب من المُعلِّم له ميِزات عظيمة منها:
    • علو درجة انتباه المُعلِّم
    • اليقظة الفكريَّة وعدم تشتّت العقل في أمور خارجة عن الدرس
    • الاستماع الواضح لصوت المُعلِّم
    • الاستعداد الدائم لتلقي الإجابة التي قد يطرحها المُعلِّم
    • يقظة حاستي السمع والبصر لدى المُتعلِّم
  1. هيئة الجلوس: للجلوس الصحي أثر في القدرة على الاستيعاب، وقد جلس المُتعلِّم (جبريل) الجلسة المثالية لطالب العلم كما قال العلماء، وهذه الجلسة هي الجلسة الصحية للبدن والفكر، وكثير منا من يجلس جلسة متعبة حيث يستقر الدم في مقدمة القدم، فيتحوَّل جزء من التفكير إلى موضع الألم وبهذا ينصرف جزء من انتباه المُتعلِّم إلى موضع الألم لهذا يجب أن نربي طلاب العلم في المساجد على الجلسة التي جلسها جبريل عليه السلام.
  1. ترتيب أسئلة المُتعلِّم ترتيبا علميا: يجب على المُتعلِّم أن تكون أسئلته مرتبة ترتيبا علميا وموضوعيا، وجبريل عليه السلام أجاد في تنظيم وترتيب الأسئلة، فقد سأل الأسئلة الآتية:
    • يا محمد أخبرني عن الإسلام؟
    • فأخبرني عن الإيمان؟
    • فأخبرني عن الإحسان؟
    • فأخبرني عن الساعة؟

وهذا الترتيب يسمى ترتيب الانتقال التعليمي من الكل إلى الجزء.

  1. التأني في طرح الأسئلة وعدم طرحها جميعا دفعة واحدة: نلاحظ أن المُتعلِّم جبريل كان متأنيا في طرح الأسئلة، فكان يطرح السؤال ثم يسكت لانتظار الإجابة عنه، وبعد ما يفرغ المُعلِّم (رسول الله) من الإجابة عن السؤال يطرح السؤال الثاني. وطرح الأسئلة سؤالا سؤالاً يعطي المُعلِّم الفرصة الكافية للتفكير والإجابة عن السؤال على أكمل وجه.
  1. حسن الاستماع لدى المُتعلِّم بعد أن يطرح سؤاله: يجب على المُتعلِّم أن يتحلى بحسن الإصغاء بعد أن يطرح سؤاله، فلا يقاطع المُعلِّم في أثناء إجابته وهذا من حسن أدب مجلس العلم، حيث يتحلّى المُتعلِّم في نفسه الوقار والهيبة للمعلم، وهذا ما وجدناه في المُتعلِّم (جبريل عليه السلام) عندما طرح أسئلته حيث كان ساكتا مستمعا بعد أن طرح السؤال الأول، وأحسن الإنصات أيضاً بعد طرحه لسؤاله الثاني، وهكذا.
  1. قصر سؤال المُتعلِّم: عندما يقوم المُتعلِّم بطرح السؤال يجب عليه أن يطرحه مختصرا، ومن فوائدا الأسئلة المختصرة:
    • استيعاب المُعلِّم استيعابا كاملا للسؤال
    • الاستفادة من الوقت، فلو كان السؤال طويلا لاستغرق وقتاً طويلاً في طرحه لاستيعاب المُعلِّم للسؤال.
  1. وضوح سؤال المُتعلِّم: يجب أن يكون السؤال واضحا سليما من الكلمات الصعبة غير المفهومة فكانت أسئلة جبريل قصيرة واضحة فلا تحتاج إلى جهد لمعرفة مضمونها.
  2. مرحلة الشباب أسمى مرحلة للنضوج الفكري للتعلُّم: أخبر عمر رضي الله عنه بالرواية أن المُتعلِّم جبريل عليه السلام كان شديد سواد الشعر، وسواد الشعر يدل على الشباب والحيويَّة ومرحلة الشباب تُعَدُّ مرحلة النضوج الفكري والاكتمال الجسدي والصحي للإقبال على نهم على العلم، فيكون الشباب مُهَيّأً لتلقي العلم، ويمتلك القدرة على الاستيعاب والتحليل والمناقشة مع المُعلِّم.

 

من كتاب (من أساليب الرسول صل الله عليه وسلم في التربية).

وما يستفاد منها في وقتنا الحاضر.



ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع