تقنيات التقييم الإبداعي في الكوتشينغ: قياس الأثر بما يتجاوز التقليد
هل تساءلت يوماً عن كيفية قياس الأثر الحقيقي لجلسات الكوتشينغ بما يتجاوز التقييمات التقليدية؟ في عالم يتطور باستمرار، لم تعد التقنيات القديمة كافية لتحديد القيمة الكاملة للتغيير الذي يُحدثه الكوتشينغ، فمع أنَّ 75% من العملاء، يرون تحولاً إيجابياً كبيراً وفق دراسة الاتحاد الدولي للكوتشينغ لعام 2023، تظل تحديات قياس هذا التحول بدقة قائمة.
إنَّنا اليوم بحاجة ماسَّة إلى تقييم إبداعي يتجاوز الأدوات التقليدية بوصفها عجلة الحياة أو نموذج (GROW). يقدِّم هذا المقال حلولاً عملية وأساليب مبتكرة لقياس أثر الكوتشينغ وتقييم أدائه بفعالية. اكتشِف كيف يغيِّر التقييم الإبداعي نظرتك للنجاح في الكوتشينغ.
لماذا نحتاج لتقييم إبداعي في الكوتشينغ؟
لم تعد أساليب التقييم التقليدية كافية لالتقاط النطاق الكامل للتأثير الذي تحدثه جلسات الكوتشينغ، فنحن بحاجة إلى تقييم إبداعي يتجاوز الأطر الجامدة ليقدِّم رؤى أعمق وأشمل. هذا التحول ليس مجرد رفاهية؛ بل ضرورة مُلحَّة لعدة أسباب جوهرية هي:
1. تحديد نقاط القوة والضعف بدقة
يمنح التقييم الإبداعي الكوتش والمستفيد رؤية واضحة ومفصلة لنقاط القوة الحقيقية؛ إذ إنَّه لا يقتصر على الأهداف المحددة؛ بل يكشف عن المهارات الكامنة والقدرات غير المستغلة، كما يحدد نقاط الضعف التي قد لا تظهر في التقييمات الكمية البحتة، كالمعتقدات المقيدة أو الأنماط السلوكية التي تعوق التقدم.
باستخدام أدوات تقييم مرنة وغير تقليدية، يصبح بالإمكان تحليل الأداء والسلوكات تحليلاً متعدد الأبعاد، مما يؤدي إلى خطط تطوير أكثر استهدافاً وفعالية.
مثال تطبيقي
بدلاً من مجرد سؤال المستفيد عن مدى تحقيقه لهدف معيَّن، يمكن للكوتش أن يطلب منه إنشاء "خريطة رحلة" بصرية. توضح هذه الخريطة التحديات التي واجهها، والحلول الإبداعية التي طبقها، والموارد الداخلية (نقاط قوته) التي اكتشفها خلال هذه الرحلة؛ إذ إنَّها تكشف عن نقاط قوة خفية، كقدرة المستفيد على الصمود أو التفكير خارج الصندوق، والتي قد لا تظهر في تقييم تقليدي.
2. تعزيز الوعي الذاتي لدى المستفيدين
الهدف الأسمى للكوتشينغ هو تمكين المستفيدين ليصبحوا أكثر وعياً بأنفسهم وقدراتهم، فالتقييم الإبداعي لا يركز فقط على النتائج النهائية؛ بل على عملية التعلُّم والتأمل الذاتي أيضاً. عندما يشارك المستفيدون في تقييمات تتطلب منهم التفكير النقدي في رحلتهم وتجاربهم ومشاعرهم، فإنَّهم يطورون فهماً أعمق لأنفسهم وللدوافع وراء أفعالهم.
مثال تطبيقي
يمكن للكوتش أن يطلب من المستفيد كتابة "رسالة إلى ذاته المستقبلية" يصف فيها التغييرات التي يأمل أن يراها في نفسه، والتحديات التي يتوقعها، وكيف سيتعامل معها مستخدماً الدروس المستفادة من الكوتشينغ. هذه العملية تحفز التأمل العميق وتجعل المستفيد أكثر وعياً بمساره التنموي ومحفزاته الداخلية.
3. قياس الأثر الحقيقي لبرامج الكوتشينغ
يتعدى التقييم الإبداعي مجرد قياس تحقيق الأهداف الكمية ليتعمق في الأثر النوعي والشامل لـ برامج الكوتشينغ، فبدلاً من الاكتفاء بتقييم ما إذا كان الهدف قد تحقق، يسعى هذا النوع من التقييم إلى فهم كيفية تأثير الكوتشينغ في جوانب الحياة المختلفة للمستفيد، مثل الثقة بالنفس، أو العلاقات الشخصية، أو الرضى الوظيفي، أو حتى الصحة العقلية.
هذا يسمح بتقديم دليل ملموس على قيمة الكوتشينغ التي غالباً ما تتجاوز المؤشرات التقليدية، كما يعكس بوضوح الاستثمار في التنمية الشخصية والمهنية. يساعد هذا القياس الشامل الكوتشينغ على إثبات قيمته الحقيقية، خصيصاً للمنظمات التي تحقق أقصى عائد على استثماراتها في برامج التطوير.
مثال تطبيقي
لتقييم الأثر الشامل، يمكن للكوتش استخدام "مقياس الأثر الدائري". يرسم المستفيد هنا دائرة كبيرة تمثل حياته، ويقسمها إلى قطاعات تمثل جوانب مختلفة (العمل، والعلاقات، والصحة، والنمو الشخصي). يُطلب منه تقييم مستوى الرضى أو التقدم في كل قطاع قبل وبعد الكوتشينغ، مع إضافة ملاحظات وصفية للتحولات النوعية. هذا لا يقيس الأهداف المحددة فحسب؛ بل يوضح كيف أثر الكوتشينغ عموماً في جودة حياة المستفيد ورضاه.

أدوات تقييم مبتكرة لنتائج ملموسة
بعد أن فهمنا لماذا يُعدُّ التقييم الإبداعي ضرورة حتمية في الكوتشينغ، حان الوقت لاستكشاف بعض الأدوات والتقنيات المبتكرة التي تتجاوز التقليد، وتُقدم نتائج ملموسة تُمكن الكوتش والمستفيد من قياس الأثر الحقيقي للعملية التحويلية.
1. "عجلة الحياة" (The Wheel of Life): تقييم شامل لجوانب الحياة
تُعدُّ عجلة الحياة واحدة من أكثر أدوات الكوتشينغ البصرية والتأملية قوة وفاعلية؛ إذ إنَّها أداة تقييم ذاتي إبداعية تُمكِّن المستفيد من رؤية شاملة ومتوازنة لجوانب حياته المختلفة.
تُقسَّم الدائرة إلى قطاعات تمثل المجالات الرئيسة في حياة المستفيد (مثل: الصحة، والعلاقات، والمهنة، والنمو الشخصي، والتمويل، والترفيه، والبيئة). ثم يُطلب من المستفيد تقييم مستوى رضاه أو إنجازه في كل قطاع على مقياس من 1 إلى 10.
لا تقتصر فعاليتها على مجرد تحديد الأولويات؛ بل تُشجع المستفيد على التأمل العميق في مدى توازنه الحالي، وتُبرز المجالات التي تحتاج إلى اهتمام أكبر. تُقدم العجلة تمثيلاً بصرياً فورياً لمواطن القوة والضعف، وتُساعد على تحديد الروابط بين جوانب الحياة المختلفة.

2. الاستبيانات الأولية والتقييم الذاتي: تخصيص الجلسات وتحفيز التفكير
قد تبدو الاستبيانات تقليدية، ولكن عند تصميمها بذكاء ودمجها مع عناصر التقييم الذاتي المتعمق، تُصبح أداة قوية للغاية لتقييم إبداعي؛ إذ تُستخدم هذه الأدوات غالباً في بداية رحلة الكوتشينغ، ولكن يمكن تكييفها للاستخدام الدوري أيضاً.
تتضمن أسئلة مفتوحة تُشجع المستفيد على التفكير في:
- قيمه.
- طموحاته.
- تحدياته.
- أنماط تفكيره وسلوكه.
بدلاً من أسئلة "نعم/لا" أو اختيارات متعددة، تُركز على "كيف"، و"لماذا"، و"ماذا لو". يمكن أن تتضمن أيضاً مقاييس تصنيفية شخصية (مثل تصنيف مدى شعوره بالطاقة، أو مستوى الإجهاد، أو الرضى عن علاقات معيَّنة).
تُمكِّن هذه الاستبيانات الكوتش من تخصيص جلساته بفعالية بناءً على فهم عميق لاحتياجات المستفيد ودوافعه الخفية؛ إذ تُساعد المستفيد نفسه على بلورة أفكاره وتحديد أولوياته قبل حتى بدء الجلسة الأولى، مما يُعزز الوعي الذاتي ويُمهد لعمل كوتشينغ أعمق. يمكن أن تُشير الإجابات أيضاًإلى مجالات يمكن للكوتش العصبي التركيز عليها لتحقيق أقصى أثر للكوتشينغ.
3. نماذج (GROW) و (OSCAR): تحويل الأهداف إلى خطط عملية
تُعدُّ نماذج الكوتشينغ مثل نموذج (GROW) و(OSCAR) من الأدوات الأساسية في عملية الكوتشينغ، ولكنَّ استخدامها بتقييم إبداعي يُمكن أن يُعزز من قدرتها على قياس التقدم قياساً ملموساً؛ إذ إنَّها ليست أدوات تقييم بالمعنى التقليدي؛ بل أطر عمل تُسهل عملية الكوتشينغ ويمكن دمج التقييم فيها.
نموذج (GROW)
يعدُّ واحداً من أكثر أطر الكوتشينغ شهرة واستخداماً، وهو اختصار لأربع مراحل رئيسة:
- (Goal) (الهدف): ما الذي تريد تحقيقه؟ هذه المرحلة تركز على تحديد الهدف بوضوح، وجعله محدداً وقابلاً للقياس وللتحقيق وذو صلة ومحدد بوقت (SMART).
- (Reality) (الواقع): أين أنت الآن؟ تتضمن هذه المرحلة تقييم الوضع الحالي، وفهم التحديات الموجودة، والموارد المتاحة. السؤال هنا هو: ما هي الحقائق الموضوعية المتعلقة بوضعك الحالي تجاه الهدف؟
- (Options) (الخيارات): ما الذي يمكنك فعله؟ هنا، تولَّد مجموعة من الحلول والمسارات المحتملة لتحقيق الهدف، فالفكرة هي العصف الذهني لأكبر عدد ممكن من الخيارات دون إصدار أحكام.
- (W - Will) (الإرادة/الطريق إلى الأمام): ما الذي ستفعله؟ هذه هي مرحلة الالتزام بالعمل؛ إذ تُختار أفضل الخيارات وتُحدَّد خطوات العمل المحددة، من سيفعل ماذا ومتى.
.jpg_9fc15188701ba94_large.jpg)
نموذج (OSCAR)
هو أحد نماذج الكوتشينغ، الأكثر حداثة إلى حد ما، وقد يكون أكثر تركيزاً على الجانب التحفيزي والتطويري. وهو اختصار لـ:
- (Outcome) (النتيجة): ما هي النتيجة المرجوة؟ على غرار "الهدف" في (GROW)، ولكنَّها قد تركز أكثر على التأثير النهائي والرؤية الكبرى لما سيبدو عليه النجاح.
- (Situation) (الوضع): ما هو الوضع الحالي؟ تشبه "الواقع" في (GROW)؛ إذ تُحلَّل الظروف الحالية، بما في ذلك نقاط القوة والتحديات والعقبات.
- (Choices) (الخيارات): ما هي الخيارات المتاحة لك؟ تماماً مثل "الخيارات" في (GROW)، تُستكشَف مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات والمسارات الممكنة.
- (Actions) (الإجراءات): ما هي الإجراءات التي ستتخذها؟ تحدد الخطوات العملية والمحددة التي ستُتَّخَذ للمضي قدماً.
- (Review) (المراجعة): كيف ستعرف أنَّك وصلت إلى هدفك؟ هذه المرحلة هامة جداً وتتضمن تقييم التقدم، والاحتفال بالنجاحات، وتعديل الخطط حسب الحاجة، فهي تضمن الاستمرارية والمساءلة.
.jpg_01d59b49181ef67_large.jpg)
دمج التكنولوجيا في عملية التقييم
مع التطور السريع، لم تعد التكنولوجيا مجرد إضافة في الكوتشينغ؛ بل أصبحت ركيزة أساسية؛ إذ إنَّها تُعزز تقنيات تقييم برامج الكوتشينغ وتُمكن من قياس أثر الكوتشينغ بدقة وكفاءة؛ لذلك، إنَّ دمج الأدوات الرقمية، يسمح بجمع بيانات أعمق وتحليلها بفعالية، لتقديم رؤى قابلة للتنفيذ تدعم بناء العادات وتغيير السلوك تغييراً مستداماً.
المنصات الرقمية لجمع الملاحظات وتحليل البيانات
تُقدم المنصات الرقمية حلولاً متطورة لتبسيط عملية جمع الملاحظات وتقييم الأداء في الكوتشينغ؛ إذ إنَّها تتجاوز القيود التقليدية للملاحظات الورقية، وتُعزز التقييم الإبداعي عن طريق تحليل البيانات الكمية والنوعية بذكاء.
كيف تعمل؟
- يستخدم الكوتش هذه المنصات لإرسال استبيانات تقييم ذاتي أو ملاحظات 360 درجة.
- تُتيح تصميم أسئلة مفتوحة تشجع التفكير العميق، بالإضافة إلى مقاييس تصنيفية.
- تجمع المنصة البيانات وتصنِّفها وتحلِّلها بخوارزميات متقدمة.
- تُقدم تقارير ورسوم بيانية توضح التقدم والأنماط والمجالات التي تحتاج لتركيز.
لماذا هي أساسية للتقييم؟
- توفير الوقت والجهد: تُقلل الوقت والجهد المبذول في جمع البيانات وتصنيفها.
- رؤى قائمة على البيانات: تُقدِّم رؤى مفصلة وقابلة للتتبع خلال الزمن، مما يدعم اتخاذ قرارات مستنيرة.
- تعزيز الشفافية: تُوفر سجلاً رقمياً وشفافاً يُعدُّ دليلاً ملموساً على أثر الكوتشينغ وتطور المستفيد.
أدوات قياس التقدم وتتبع النتائج
لا يقتصر دور التكنولوجيا على جمع البيانات؛ بل يمتد لتوفير أدوات ديناميكية لتتبع التقدم وقياس النتائج والتقويم باستمرار، مما يُمكن من قياس أثر الكوتشينغ بما يتجاوز المؤشرات السطحية.
كيف تعمل؟
- تتضمن لوحات تحكم (Dashboards) تفاعلية تعرض المؤشرات الرئيسة للتقدم (KPIs) في رحلة المستفيد.
- يمكن للمستفيدين تحديث حالتهم دورياً، وتسجيل الإنجازات، وتوثيق التحديات.
- يُمكن للكوتش تتبع تحقيق الأهداف الفردية، ورصد التغييرات في السلوكات، وتقييم مدى بناء العادات الجديدة.
- بعض الأدوات تُتيح للمستفيدين تتبع أهدافهم بصرياً (مثل شريط التقدم)، أو استخدام أنظمة تحفيز مبنية على التلعيب (Gamification).
لماذا هي أساسية للتقييم؟
- تغذية راجعة فورية ومستمرة: تُعزز دافعية المستفيد وتُمكن الكوتش من تعديل استراتيجيته بسرعة.
- أهداف قابلة للقياس: تُحول الأهداف المجردة إلى مؤشرات قابلة للقياس والتتبع، مما يُضفي طابعاً ملموساً على عملية الكوتشينغ.
- إثبات الفعالية: تُقدم دلائل قوية وملموسة على فعالية الكوتشينغ وتقييم الأداء في الكوتشينغ المؤسسي.
- دعم التغيير السلوكي: تُوفر بيانات قيمة حول كيفية تأثير التدخلات في حالة المستفيد.
في الختام
استكشفنا في هذا المقال كيف أصبح التقييم الإبداعي في الكوتشينغ ضرورة قصوى لقياس الأثر الحقيقي، متجاوزاً المؤشرات التقليدية. رأينا كيف يساعدنا هذا التقييم على تحديد نقاط القوة والضعف بدقة، وتعزيز الوعي الذاتي، وقياس الأثر الشامل لبرامج الكوتشينغ باستخدام أدوات مبتكرة، مثل عجلة الحياة والاستبيانات الذكية، وصولاً إلى دمج التكنولوجيا من خلال المنصات الرقمية.
حان الوقت لتغيِّر نظرتك للتقييم في الكوتشينغ. هل أنت مستعد لإحداث فرق حقيقي في رحلتك؟ ندعوك لتطبيق هذه التقنيات المبتكرة، ومشاركة تجاربك في التعليقات، والمساهمة في صياغة معايير جديدة لقياس الأثر الحقيقي.